ابن عساكر
199
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
قال معاوية يوما لعبد اللّه بن عباس : إنه ضربتني البارحة أمواج القرآن في آيتين لم أعرفت تأويلهما ، ففزعت إليك ، فقال ابن عباس : ما هما ؟ فقال معاوية : قول اللّه عز وجل : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [ سورة الأنبياء ، الآية : 87 ] فقلت : يونس رسول اللّه ظن أنه بقوته إذا أراده ، ما ظن هذا مؤمن ، وقول اللّه عز وجل : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا [ سورة يوسف ، الآية : 110 ] فقلت : سبحان اللّه ! كيف يكون هذا أن يستيئس الرسل من نصر اللّه ، أو يظنوا أنه كذبهم ما وعدهم ! إن لهاتين الآيتين تأويلا ما نعلمه . قال ابن عباس : أما يونس عليه السلام فظن أن خطيئته لم تبلغ أن يقدّر اللّه عليه تلك البلية ، ولم يشكّ أن اللّه عز وجل إذا أراده قدر عليه . وأما قوله : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم ، وظن من أعطاهم الرضا في العلانية أن يكذبهم في السريرة ، وذلك أطول البلاء عليهم ، ولم يستيئس الرسل من نصر اللّه ، ولم يظنوا أنهم كذبهم ما وعدهم . فقال معاوية : فرّجت عني فرّج اللّه عنك . قال ابن عباس : فإن رجلا قرأ علي آية المحيض ، قول اللّه عز وجل : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ [ سورة البقرة ، الآية : 222 ] إلى آخر الآية . يعني بالماء فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يقول : طاهرات غير حيّض ، فقال معاوية : إن قريشا لتغبط بك لا بل جميع العرب ، لا بل جميع أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولولا خفتك مع علي عطفتني عليك العواطف ، فقال أيمن بن خريم : ما كان يعلم هذا العلم من أحد * بعد النبي سوى الحبر ابن عبّاس مستنبط العلم غضّا من معادنه * هذا اليقين وما بالحقّ من باس دينوا بقول ابن عباس وحكمته * إن المنافي « 1 » فيكم عالم الناس كالقطب قطب « 2 » الرحا في كلّ حادثة * أو كالحمام فمنه موضع الرأس من ذا يفرّج عنكم كلّ معضلة * إن صار رهنا مقيما بين أرماس ؟ قال ابن أبي مليكة : كتب ابن هرقل إلى معاوية يسأله عن ثلاث خلال : ما مكان إذا
--> ( 1 ) المنافي نسبة إلى عبد مناف ، بطن من قريش . انظر اللسان وجمهرة أنساب العرب . ( 2 ) قطب الرحى التي تدور حولها العليا ، قال ابن الأثير : هي الحديدة المركبة في وسط الحجر . حجر الرحى السفلي التي تدور حولها العليا ( تاج العروس : قطب ) .